عنصرالمعالي كيكاوس بن اسكندر ( تعريب : نشأت / عبد المجيد )

93

كتاب النصيحة ( قابوس نامه )

وكان ينفق ذلك في معاشه ولم يمد يد السؤال لإنسان ، حتى ذلك الوقت الذي وصل فيه إلى وطنه ، وعاد على رأس مملكته وعندئذ أمر أن ينادى بأن لا يمنع شخص قط ابنه عن تعلم الصناعة . ولا يرى ذلك عيبا ففي أوقات كثيرة لا ينفع الرجل الإباء والشجاعة ، وكل علم تتعلمه ينفع يوما ما ، ومن بعد ذلك صار ذلك الرسم في العجم ، ولم يكن محتشم قط لا يعرف صنعة ، وكان يعمل ذلك بالعادة ولو لم تكن له بها حاجة ، فتعلم كل ما يمكنك تعلمه ، فإن منافعه تعود عليك ، أما إذا بلغ الصبى فتأمله لترى ما إذا كان صالحا وله ميل للزواج ، وتعرف أنه يستطيع القيام بعمل ويمكنه الحصول منه على شئ ، وتعرف فيه التوفيق ، ودبر زواجه ، وزوجه لتكون قد أديت هذا الحق أيضا ، ولا تصاهر الأقارب وتزوج من الغرباء ، فإذا صاهرت أقرباءك فهم مثل لحمك ، فتزوج من قبيلة أخرى حتى تكون قد جعلت الغريب قريبا ، وتصير القوة الواحدة قوتين ، ويكونوا من كلا الجانبين معينين لك ، وإذا عرفت أن ابنك ليس له ميل للزواج والتوفيق فلا تلق بابنة مسلم في البلاء لأن كلا منهما يرى من الآخر العناء ، فدعه حتى يكبر ويفعل ما يشاء ، وإن تكن لك بنت فاعهد بها إلى المرضعات المشفقات ، وأحسن تربيتها ، وعندما تكبر سلمها للمعلم ليعلمها أحكام الشريعة وشرط الفرائض ، ولكن لا تعلمها الكتابة فتكون الآفة الكبرى ، وإذا كبرت فاجتهد أن تزوجها سريعا لأن البنت من الخير ألا تكون ، وإذا كانت فمن الخير أن تكون مع الزوج أو في القبر ، كما قد قال صاحب الشريعة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ( دفن البنات من المكرمات ) . أما ما دامت في بيتك فكن رحيما بها لأن البنات أسيرات الآباء والأمهات ، وإذا لم يكن للبنين أم وأب فإنهم ما داموا بنين يستطيعون رعاية أنفسهم والقيام بعمل من أي وجه يكون ، أما البنت فمسكينة ولا تستطيع القيام بأي عمل ، فكل ما تستطيعه اجعله جهاز ابنتك وانجز عملها ، واربطها في عنق شخص ، لتتخلص من غمها ، أما إذا كانت ابنتك بكرا فاطلب لها عروسا بكرا كذلك ، حتى يقيد الزوج قلبه بالزوجة كما تقيد الزوجة قلبها بالزوج ولا يرغب في أحد سواها ، لأنه لا يكون قد عرف غيرها . حكاية [ رقم 2 ] هكذا سمعت أنه قد جئ بابنة ملك العجم أسيرة من بلاد العجم إلى بلاد العرب ، فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأن تباع ، فلما حملوها إلى السوق وصل هنالك أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وقال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس البيع على أبناء الملوك ) . فلما أورد هذا الخبر سقط البيع عن الأميرة - شهربانو - وأقاموها عند سلمان الفارسي ليزوجوها ، فلما عرضوا عليها حديث الزواج قالت - شهربانو - ما لم أر الرجل بعيني فلا أريده ، فأجلسونى على منظر ومرروا على سادات العرب ، فمن يكن موضع اختياري فهو زوجي ، فأجلسوها على منظر بدار سلمان الفارسي وجلس سلمان دونها وكان يعرفها بهؤلاء القوم ويقول هذا فلان وذاك فلان ، وكانت هي تقول عن كل شخص شيئا ولا تقبله ، حتى مر عليها أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبى طالب